مجمع البحوث الاسلامية

855

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الخبر أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ . قالوا ، منهم ابن عطيّة : يَتْلُونَهُ حال لا يستغنى عنها وفيها الفائدة . ولا يجوز أن يكون خبرا ، لأنّه كأن يكون كلّ مؤمن يتلو الكتاب ، وليس كذلك بأيّ تفسير فسّرت « التّلاوة » . ونقول : ما لزم في الامتناع من جعلها خبرا يلزم في الحال ، لأنّه ليس كلّ مؤمن يكون على حالة التّلاوة ، بأيّ تفسير فسّرتها . وانتصب حَقَّ تِلاوَتِهِ على المصدر ، كما تقول : ضربت زيدا حقّ ضربه . وأصله : تلاوة حقّا ، ثمّ قدّم الوصف وأضيف إلى المصدر ، وصار نظير : ضربت شديد الضّرب ، إذ أصله ضربا شديدا . وجوّزوا أن يكون وصفا لمصدر محذوف ، وأن يكون منصوبا على الحال من الفاعل ، أي يتلونه محقّين . [ ثمّ ذكر قول ابن عطيّة ] ( 1 : 369 ) ابن كثير : [ نقل الأقوال كما في الطّبريّ والقرطبيّ ثمّ قال : ] وقوله : أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ خبر عن ( الّذين . . . ) أي من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدّمين حقّ إقامته ، آمن بما أرسلتك به يا محمّد ، كما قال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ المائدة : 66 ، [ ثمّ أيّده بآيات : المائدة : 68 ، الإسراء : 107 ، القصص : 54 ، آل عمران : 20 ، هود : 17 ، فراجع ] ( 1 : 286 ) الآلوسيّ : أي يقرؤونه حقّ قراءته ، وهي قراءة تأخذ بمجامع القلب فيراعى فيها ضبط اللّفظ والتّأمّل في المعنى ، وحقّ الأمر والنّهي . [ ثمّ أدام نحو أبي البقاء ] ( 1 : 372 ) محمّد عبده : عبّر عن التّدبير والفهم بالتّلاوة حقّ التّلاوة ليرشدنا إلى أنّ ذلك هو المقصود من التّلاوة الّتي يشترك فيها أهل الأهواء والبدع مع أهل العلم والفهم . والتّعبير يشعر بأنّ أولئك الّذين حكم بنفي رضاهم عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله نفيا مؤكّدا لا حظّ لهم من الكتاب إلّا مجرّد التّلاوة وتحريك اللّسان بالألفاظ ؛ لأنّهم لا يعقلون عقائده ، ولا يتدبّرون حكمه ومواعظه ، ولا يفقهون أحكامه وشرائعه ؛ لأنّهم استغنوا عنه بتقليد بعض الرّؤساء والاكتفاء بما يقولون ، فلا عجب إذا أعرضوا عمّا جاء به النّبيّ ولا ضرر في إعراضهم . وأمّا الآخرون فإنّهم لتدبّرهم وفهمهم أسرار الدّين ، وعلمهم بوجوب مطابقتها لمصالح المكلّفين ، يعقلون أنّ ما جاء به هو الحقّ الّذي يتّفق مع مصلحة البشر في ترقية أرواحهم ، وفي نظام معايشهم ، فيؤمنون به وإنّما ينتفع بإيمان أمثالهم . وجملة القول أنّ هذا التّعبير أفاد حكما جديدا وإرشادا عظيما وهو أنّ الّذي يتلو الكتاب لمجرّد التّلاوة مثله كمثل الحمار يحمل أسفارا فلا حظّ له من الإيمان بالكتاب لأنّه لا يفهم أسراره ولا يعرف هداية اللّه فيه . وقراءة الألفاظ لا تفيد الهداية وإن كان القارئ يفهم مدلولاتها كما يقول المفسّر والمعلّم لها ، لأنّ هذا الفهم من قبيل التّصوّر ، وما التّصوّر إلّا خيال يلوح ويتراءى ، ثمّ يغيب ويتناءى ، وإنّما الفهم فهم التّصديق والإذعان ممّن